الشيخ محمد رشيد رضا

233

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

صلّى اللّه عليه وسلّم فقال « يا جابر مالي أراك منكسرا ؟ » فقلت يا رسول اللّه استشهد أبى وترك عيالا ودينا فقال : « ألا أبشرك بما لقى اللّه به أباك » ؟ قلت بلى . قال « ما كلم اللّه أحدا قط إلا من وراء حجاب وأحيا أباك فكلمه كفاحا وقال : يا عبدي تمن على أعطك . قال : يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية ، قال الرب تعالى . قد سبق منى أنهم لا يرجعون . قال أي رب فأبلغ من ورائي ، فأنزل اللّه هذه الآية » قالوا ولا تنافى بين الروايتين لجواز وقوع الامرين ونزول الآية فيهما معا . وأقول : إن الآية متصلة بما قيلها متممة له فإذا صح الخبران فهما من جملة وقائع غزوة أحد التي نزل فيها هذا السياق كله والمعنى : لا تحسبن يا محمد أو أيها السامع لقول المنافقين الذين ينكرون البعث أو يرتابون فيه فيؤثرون الدنيا على الآخرة « لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا » أن من قتلوا في سبيل اللّه أموات قد فقدوا الحياة وصاروا عدما . وقرأ ابن عامر قتلوا بضم القاف وتشديد التاء للمبالغةبل ) هم ( أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) في عالم غير هذا العالم هو خير منه للشهداء وغيرهم من الصالحين ، ولكرامته وشرفه أضافه الرب تعالى اليه فهذه العندية عندية شرف وكرامة لامكان ومسافة . وقيل عندية علم وحكم . وإذا كان الامر كذلك فليس يضير أولئك الذين قتلوا في سبيل اللّه قتلهم وليس ما صاروا اليه دون ما كانوا فيه فلو فرضنا ان الخروج إلى القتال سبب مطرد للقتل لا يتخلف كما يوهم كلام المنافقين لما صح أن يكون مثبطا للمؤمن عن الجهاد عند وجوبه بمثل مهاجمة المشركين للمؤمنين في أحد أو بفتنة المسلمين عن دينهم ومنعهم من الدعوة اليه وإقامة شعائره وهو ما كان عليه جميع مشركي العرب في زمن البعثة فكيف والخروج إلى القتال هو سبب للسلامة في الغالب لان الأمة التي لا تدافع عن نفسها يطمع غيرها فيها فإذا هاجمها الأعداء ظفروا بها ونالوا ما يريدون منها وقد ذكرنا الخلاف في هذه الحياة في تفسير قوله تعالى ( 2 : 154 وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ) وأن المختار فيها أنها حياة غيبية لا نبحث عن حقيقتها ولا نزيد فيها على ما جاء به خبر الوحي شيئا فلا نقول كما قال بعض متكلمي المعتزلة ان المراد بقوله « بَلْ أَحْياءٌ » انهم سيكونون أحياء في